فخر الدين الرازي

146

تفسير الرازي

المسألة الأولى : قال أبو عبيد والزجاج * ( استجيبوا ) * معناه أجيبوا وأنشد قول الشاعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب المسألة الثانية : أكثر الفقهاء على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وتمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين : الوجه الأول : أن كل من أمره الله بفعل فقد دعاه إلى ذلك الفعل وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه . فإن قيل : قوله : * ( استجيبوا لله ) * أمر . فلم قلتم : إنه يدل على الوجوب ؟ وهل النزاع إلا فيه ، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثبات أن الأمر للوجوب بناء على أن هذا الأمر يفيد الوجوب ، وهو يقتضي إثبات الشيء بنفسه وهو محال . والجواب : أن من المعلوم بالضرورة أن كل ما أمر الله به فهو مرغب فيه مندوب إليه ، فلو حملنا قوله : * ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) * على هذا المعنى كان هذا جارياً مجرى إيضاح الواضحات وأنه عبث ، فوجب حمله على فائدة زائدة ، وهي الوجوب صوناً لهذا النص عن التعطيل ، ويتأكد هذا بأن قوله تعالى بعد ذلك * ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ) * جار مجرى التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق إلا بالإيجاب . الوجه الثاني : في الاستدلال بهذه الآية على ثبوت هذا المطلوب . ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال : " ما منعك عن إجابتي " قال كنت أصلي قال : " ألم تخبر فيما أوحى إلي استجيبوا لله وللرسول " فقال : لا جرم لا تدعوني إلا أجيبك ، والاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاه فلم يجبه لامه على ترك الإجابة ، وتمسك في تقرير ذلك اللوم بهذه الآية فلولا دلالة هذه الآية على الوجوب ، وإلا لما صح ذلك الاستدلال وقول من يقول مسألة أن الأمر يفيد الوجوب ، مسألة قطعية ، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد ضعيف ، لأنا لا نسلم أن مسألة الأمر يفيد الوجوب مسألة قطعية ، بل هي عندنا مسألة ظنية ، لأن المقصود منها العمل ، والدلائل الظنية كافية في المطالب العملية . فإن قالوا : إنه تعالى ما أمر بالإجابة على الإطلاق بل بشرط خاص وهو قوله : * ( إذا دعاكم لما يحييكم ) * فلم قلتم إن هذا الشرط حاصل في جميع الأوامر ؟ قلنا : قصة أبي بن كعب تدل على أن هذا الحكم عام وغير مخصوص بشرط معين ، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة . لأن إحياء الحي محال . فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز